وهبة الزحيلي
17
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
على ترك تفسيق القادر على الحج إذا أخّره العام والعامين ونحوهما ، وأنه إذا حجّ من بعد أعوام من حين استطاعته ، فقد أدّى الحجّ الواجب عليه في وقته ، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها ، فقضاها بعد خروج وقتها ، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه ، ولا كمن أفسد حجّه فقضاه ، فلما أجمعوا على أنه لا يقال لمن حجّ بعد أعوام من وقت استطاعته : أنت قاض لما وجب عليك ، علمنا أن وقت الحج موسّع فيه ، وأنه على التّراخي ، لا على الفور . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ، والمالكية في أرجح القولين ، والحنابلة : يجب الحجّ بعد توافر الاستطاعة وبقية شروط الوجوب على الفور في العام الأول ، أي في أول أوقات الإمكان ، فيفسق وتردّ شهادته بتأخيره سنينا ؛ لأنّ تأخيره معصية صغيرة ، وبارتكابه مرة لا يفسق إلا بالإصرار ، لأنّ الفورية ظنيّة ، بسبب كون دليلها ظنيّا ، كما ذكر الحنفيّة . واستدلّوا بقوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ، وقوله : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [ البقرة 2 / 196 ] ، والأمر على الفور . واستدلّوا أيضا بأحاديث منها : « حجّوا قبل أن لا تحجّوا » « 1 » ، ومنها : « تعجّلوا إلى الحجّ - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له » « 2 » ، ومنها : « من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر ، فلم يحجّ ، فليمت إن شاء يهوديا ، وإن شاء نصرانيا » « 3 » و رواية الترمذي المتقدمة : « من ملك زادا أو راحلة تبلّغه إلى بيت اللّه ، ولم يحجّ ، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ، وذلك لأن اللّه تعالى قال في كتابه : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آل عمران 3 / 97 ] » « 4 » .
--> ( 1 ) حديث صحيح رواه الحاكم والبيهقي عن علي . ( 2 ) رواه أحمد والأصبهاني عن ابن عباس ، وهو ضعيف . ( 3 ) رواه سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى والبيهقي عن أبي أمامة مرفوعا ، وهو ضعيف . ( 4 ) قال الترمذي : غريب ، في إسناده مقال ، وفيه ضعف .